السداد الجزئي لا يُسقط الجريمة
حقائق قانونية صادمة
أولاً: مفهوم السداد الجزئي وإلزامية التنفيذ
في السابق، كان العرف البنكي يقضي بأنه إذا لم يتوفر كامل مبلغ الشيك في حساب الساحب، يتم رفض الشيك بالكامل ويقوم البنك بإعطاء “إفادة” برفض الصرف لعدم كفاية الرصيد. إلا أن تعليمات البنك المركزي العمانى الحالية أوجبت على البنوك تفعيل آلية الوفاء الجزئي.
آلية التطبيق:
- إذا تقدم المستفيد لصرف الشيك ووجد أن الرصيد القائم أقل من قيمة الشيك، يحق له (بل اصبح الزام على البنك كسداد جزئى ) صرف المبلغ الموجود أياً كانت قيمته.
- يلتزم البنك بالتأشير على ظهر الشيك بالمبلغ الذي تم صرفه، وتسليم أصل الشيك للمستفيد مع إعطائه شهادة (إفادة) تفيد بقيمة المبلغ المتبقي غير المدفوع.
- لا يجوز للبنك او المستفيد الامتناع عن الوفاء الجزئي .
ثانياً: المسؤولية الجنائية في ضوء السداد الجزئي
يعتقد البعض خطأً أن صرف جزء من قيمة الشيك قد يسقط الجريمة الجنائية أو يغير من وصفها، ولكن الحقيقة القانونية تؤكد بقاء المسؤولية الجنائية قائمة على النحو التالي:
1- قيام جريمة “إصدار شيك بدون رصيد“
المسؤولية الجنائية تنشأ بمجرد أن الشيك عند تقديمه لم يجد رصيداً كافياً وقائماً وقابلاً للسحب. وبالتالي، فإن صرف المستفيد لجزء من المبلغ لا يعني انقضاء الدعوى الجنائية، بل تظل الجريمة قائمة عن “المبلغ المتبقي”. فالعبرة في التجريم هي “عدم كفاية الرصيد” لحظة الاستحقاق
وفقا لنص المادة (356)من قانون الجزاء
” يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن شهر، ولا تزيد على (2) سنتين، وبغرامة لا تقل عن (100) مائة ريال عماني، ولا تزيد على (500) خمسمائة ريال عماني كل من ارتكب أحد الأفعال الآتية:
أ – أعطى شيكا قابلا للصرف لا يقابله رصيد قائم، أو كان الرصيد أقل من قيمة الشيك، أو كان الحساب مغلقا.
ب – سحب بعد إعطاء الشيك كل المقابل أو بعضه، بحيث لا يفي الباقي بقيمته “
2- أثر السداد الجزئي على العقوبة
وفقاً للمادة 566 من قانون التجارة، يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أصدر شيكاً ليس له مقابل وفاء كافٍ. وفي حالة الوفاء الجزئي
تنص المادة 566 من قانون التجارة
” إذا أقيمت على الساحب دعوى جزائية طبقا لأحكام المادة السابقة، جاز لحامل الشيك الذي أدعى بالحق المدني أن يطلب من المحكمة الجزائية أن تقضي له بمبلغ يعادل المقدار غير المدفوع من قيمة الشيك وعوائده عن هذا المقدار محسوبة من يوم تقديم الشيك للوفاء، مع التعويضات التكميلية عند الاقتضاء. “
- يعتبر السداد الجزئي “ظرفاً مخففاً” قد تنظر إليه المحكمة عند تقدير العقوبة، لكنه لا يمنع وقوعها.
- المطالبة المدنية (التعويض) التي يرفعها المستفيد أمام القاضي الجنائي ستقتصر فقط على “الباقي” من قيمة الشيك.
3- التصالح وانقضاء الدعوى
لكي تنقضي الدعوى الجنائية بالصلح، يجب على الساحب (صاحب الحساب) سداد كامل المبلغ المتبقي من قيمة الشيك، بالإضافة إلى أي فوائد أو تعويضات قد يتفق عليها ، الوفاء الجزئي “فقط” لا يوقف تنفيذ العقوبة ولا يمنع من تحريك الدعوى الجنائية من قبل الادعاء العام.
ثالثاً: الأهداف الاقتصادية والقانونية لهذه التعليمات
تهدف تعليمات البنك المركزي من وراء تفعيل السداد الجزئي إلى:
- تقليل حجم الديون المعلقة: فبدلاً من تعطل كامل المبلغ، يحصل المستفيد على ما هو متاح فوراً.
- الشفافية: منع التلاعب الذي كان يحدث سابقاً بإخفاء مبالغ كبيرة داخل الحساب لمجرد أنها لا تغطي كامل الشيك
- الردع: استمرار الملاحقة الجنائية للمدين حتى بعد سداد جزء من المبلغ يضمن عدم استغلال هذه الآلية للتهرب من الالتزامات.
الخلاصة
إن الوفاء الجزئي للشيك هو إجراء بنكي تقني يهدف إلى تيسير المعاملات، لكنه لا يغير من جوهر “المسؤولية الجنائية” التي تظل تطارد محرر الشيك ما دام لم يوفِ بكامل القيمة المكتوبة فيه. فالقانون يحمي “الثقة” في الشيك كأداة وفاء تجري مجرى النقود، وهذه الثقة لا تتجزأ.
اعداد المستشار القانونى. سعيد أحمد أحمد
مكتب العلوى وشركاؤه محامون ومستشارون قانونيون
