بنود الحد من المسؤولية في العقود – هل هي قابلة للتنفيذ دوماً؟؟
إن الالتزامات والمسؤوليات وفقاً للقانون في سلطنة عمان تنشأ من العقود والتصرفات الانفرادية للأفرار وأي تصرف ينجم عنه فعل ضار (مسؤولية تقصيرية) والتصرفات التي يترتب عليها مكاسب، كما تنشأ من القانون نفسه. ويستخدم ويعول الكثير من الأفراد والشركات بدرجة كبيرة على بنود تحديد المسؤولية في جميع أنواع العقود والاتفاقيات في سلطنة عمان وغيرها دون الأخذ بعين الاعتبار أو التمعن بصحة أو نفاذ تلك البنود من الناحية الفعلية أو العملية.
تتحقق المسؤولية التعاقدية حسب القانون في سلطنة عمان حين يكون هناك عقوداً صحيحةً بين الطرف المقصر والطرف الذي تكبد الضرر. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون الطرف المقصر قد أخل بالتزام أو أكثر من التزاماته المنصوص عليها في العقد، ونتيجة لهذا الاخلال، يجب أن يكون هناك ضرر قد لحق بالطرف الآخر.
وبالتالي تنعقد المسؤولية التعاقدية فقط في حال تحقق الشروط التالية، ولا يمكن للمسؤولية التعاقدية أن تتحقق في غياب أي من هذه الشروط:
1) أن يقع تصرف غير مشروع من الطرف المقصر أو المخل بالتزاماته التعاقدية، كعدم الأداء أو مخالفة بنود العقد أو التأخر في الوفاء بأي من الالتزامات المنصوص عليها في العقد.
2) أن يكون هناك ضرراً أصاب الطرف الآخر في العقد.
3) وجود علاقة سببيه بين التصرف غير المشروع الصادر عن الطرف المقصر (بعبارة أخرى الإخلال بالالتزامات المنصوص عليها في العقد، والتي يتم تحديدها عادة من قبل المحكمة على أساس كل حالة على حدة) والضرر الذي لحق بالطرف الآخر في العقد. وهذا يعني أن تكون الأضرار المتكبدة هي نتيجة تبعيه للإخلال بشروط العقد.
وحيث إن المبدأ القانوني والمتعلق بحرية التعاقد يشير إلى أن لدى الاطراف الحرية المطلقة في صياغة العقود على النحو الذي يرونه مناسباً، دون قيود حكومية أو غيرها، لأن الأطراف هم الأجدر والافضل في تقدير ما يصب في مصلحتهم. ولكن هذا يكون بشرط ألا يخالف العقد أحكام القانون، أو المعايير الأخلاقية أو ينتهك قواعد النظام العام في الدولة. وبناءاً على هذا المبدأ، يجوز للأطراف المتعاقدة الاتفاق على توسيع أو تحديد التزاماتهم في أي عقد ووفق صيغ أو سبل متعددة. وهذا يتضمن تحديد مبلغ التعويض الذي يتعين على الطرف المقصر أن يدفعه مقدماً عبر الإشارة إلى ذلك إما في العقد أو في اتفاق لاحق، لكن قبل وقوع الضرر.
ولكن، هناك بعض الاستثناءات أو القيود المفروضة على قاعدة “حرية التعاقد” والتي يحاول العديد من الأطراف المتعاقدة التعويل عليها، بهدف تحديد التزاماتهم في كافة أنواع العقود، وهذه الاستثناءات تتضمن التالي:
1) يجوز للمحكمة، بناء على طلب أي من الطرفين، تقدر التعويض خلافا للاتفاق بين الأطراف بحيث تجعل التعويض مساوياً للخسائر التي تم فعليا تكبدها، ويعتبر أي اتفاق على خلاف ذلك باطلاً. ومع ذلك، في حال اتفق أطراف العقد على تحديد مبلغ التعويض الواجب دفعه للطرف الذي تكبد ضرراً على أثر الإخلال بالالتزامات التعاقدية، أي بعد وقوع الإخلال والضرر، فإن هذا سيُعتبر اتفاقا جديدا أو تسوية. وفي هذه الحالة، لا تتدخل المحكمة لأن الاتفاق جاء بعد وقوع الإخلال والضرر.
2) يمكن للمحكمة أن تتدخل إذا ثبت أن استحالة الأداء أو الضرر نجم عن سبب خارجي ليس للأطراف المتعاقدة أي دور فيه (على سبيل المثال، كأن يكون الضرر نتيجة لكارثة طبيعية أو حادثة تعذر تفاديها، أو قوة قاهرة، أو جائحة أو تصرف صادر من الغير أو تصرف من الطرف نفسه الذي تكبد الخسارة). وفي هذه الحالة، يقع على عاتق الطرف المتعاقد إثبات أن ذلك التقصير كان نتيجة لسبب خارجي. ويخضع تحديد المسؤولية التقصيرية، وما إذا كان أحد الطرفين قد ارتكب إخلال او خرقاً لالتزاماته التعاقدية، لتقدير المحاكم. ومع ذلك، فإن الطرف الذي تكبد ضرراً نتيجةً للإخلال بالعقد هو الطرف الملزم بإثبات حصول ذلك الضرر والإخلال وإثبات العلاقة السببية بين الاخلال والضرر الذي تم تكبده. وبمعني أخر، أن الضرر قد وقع كنتيجة للإخلال ببنود العقد.
3) إذا كان الطرف الذي لحق به ضرراً قد شارك بتصرف صادر عنه في التسبب في الضرر أو بتفاقمه، عندئذ يجوز للمحكمة أن تقلل من الدرجة المطلوبة لتصحيح ذلك الضرر أو التصرف أو أن تقضي بعدم ضرورة تصحيح ذلك الضرر أو التصرف؛ و
4) في حالة الغش أو الإهمال الجسيم من جانب أحد المتعاقدين، يجوز للمحكمة أن تتدخل.
وفى الحقيقة تبقى بنود تحديد المسؤولية خاضعة دوماً لقانون سلطنة عمان ولتأويل وتفسير المحاكم العمانية، كما أن طبيعة بعض العقود تجعلها خاضعة للوائح محددة وبالتالي فهي معفاة من القواعد العامة المتعلقة بتحديد المسؤولية.
وبما أن هذه الشروط (شروط الحد من المسؤولية) قد تكون في غاية الأهمية في بعض العقود، فإنه على الأطراف المتعاقدة طلب المشورة القانونية السليمة حول صحة أو نفاذ هذه البنود بشكل خاص، والعقود والاتفاقيات بشكل عام، قبل استخدام هذه البنود والاعتماد عليها. بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم صحة هذه البنود يمكن أن تؤثر على صحة العقد بأكمله إذا كانت تلك البنود خلافاً للقوانين المحلية أو قواعد النظام العام أو إذا كان العقد يعتمد اعتماداً كلياً عليها.
خاتمة:
في الختام نسأل الله عز وجل التوفيق والنجاح في عملنا بما يخدم ويحقق ما نصبوا إليه على طريق المجد والسؤدد، ونسأل الله تعالي ايضاً أن يكون هذا الجهد والعمل خالصاً لوجهه الكريم ونفع الله الجميع بهذه الدراسة والعمل بها إنه سميع مجيب.
أعداد/ د. محمد غرباوي
شركة العلوي وشركاؤه محامون ومستشارون قانونين
مسقط – سلطنة عمان
