اولا :- تعريف العقود الالكترونية
يعتبر العقد الالكترونى حجر الزاوية في أنظمة التجارة الإلكترونية، حيث إنه بمثابة ترجمة قانونية لتلاقى الإرادات بين أطراف التعاقد، ونظراً لأن البيئة الالكترونية تختلف اختلافاً جذرياً عن بيئة التعاقد التقليدية فينبغي إحاطة تلك العقود بسياج من الضمانات القانونية، وذلك لتلافى مخاطر إبرامها باعتبارها من العقود التي تبرم عن بعد
تنص المادة الاولى بند 3 من مرسوم سلطاني رقم ٣٩ / ٢٠٢٥ بإصدار قانون المعاملات الإلكترونية على أنه يقصد بالوثيقة الالكتروني : ” العقد، أو القيد، أو السجل، أو الرسالة أو أي مستند آخر يتم إنشاؤه، أو تخزينه، أو استخراجه، أو نسخه، أو إرساله، أو إبلاغه، أو تسلمه جزئيا أو كليا بوسيلة إلكترونية.”،
كما نص فى المادة 2 من القانون ” تسري أحكام هذا القانون على المعاملات والوثائق والتوقيعات الإلكترونية وخدمات الثقة “
حيث أجاز المشرع العمانى إبرام العقود الكترونياً بواسطة الرسائل الإلكترونية، فقرر في المادة (8) من قانون المعاملات الالكترونية “تعتبر الوثيقة الإلكترونية وثيقة مكتوبة، وتنتج آثارها القانونية، إذا توفر في إنشائها واعتمادها الشروط المنصوص عليها في هذا القانون واللائحة والقرارات الصادرة تنفيذا لأحكامه “
ويقصد بالمعاملات الإلكترونية حسبما ورد بالمادة الاولى بند 2 من القانون المعاملات والتجارة الالكترونية : “أي إجراء أو اتفاق يتصل بوثيقة إلكترونية يتم إجراؤه أو تنفيذه جزئيا أو كليا بواسطة وسيلة إلكترونية.
ويعتبر العقد الالكتروني هو القلب النابض للتجارة الالكترونية، ولقد تباينت آراء الفقهاء حول تعريفه ولكن يمكن تعريفه على النحو التالي:
” هو اتفاق يتلاقى فيه الإيجاب والقبول بشأن الأموال والخدمات – عبر شبكة دولية للاتصال عن بعد، وذلك بوسيلة مسموعة ومرئية، تتيح التفاعل الحواري بين الموجب والقابل “
ثانيا :- خصائص العقود الالكترونية
ينشأ العقد الالكترونى من تلاقى الإيجاب والقبول بطريقة سمعية بصرية دون الحاجة إلى التقاء الأطراف المادي في مكان معين، وعلى ذلك لا يختلف مفهوم العقد الالكتروني عن المفهوم التقليدي للعقود، فيجب وجود التراضي الخالي من عيوب الإرادة بالإضافة إلى مشروعية المحل وأن يكون محدداً أو قابلاً للتحديد بالإضافة إلى مشروعية السبب.
وتتميز تلك العقود بعدة خصائص :- تتم عن بعد دون حضور مادى ويغلب عليها الطابع الدولى وتتميز بكونها عقودا تجارية
ويدعونا ذلك إلى استعراض أهم خصائص العقود الإلكترونية على النحو الآتي: –
1- العقود الالكترونية من طائفة العقود التي تتم عن بعد
تتمثل خصوصية العقد الالكتروني في كيفية انعقاده، فالعقد الالكتروني يتم إبرامه عن بعد وذلك من خلال تقنيات الاتصال الحديثة، وقد يشترك العقد الالكتروني في ذلك مع بعض صور التعاقد الأخرى مثل التعاقد عن طريق التليفزيون أو التليفون، ولكنه ينفرد بخاصية تلاقى أطرافه بوسيلة مسموعة ومرئية في ذات الوقت من خلال شبكة الإنترنت التي تتيح التفاعل بين أطرافه
فالاتصال بين متعاقدين غير موجودين في نفس المكان حتى وإن تلاقيا في وقت واحد، فلا يعدو أن يكون تعاقداً بين غائبين أو تعاقداً عن بعد
إذا كان إبرام العقود الإلكترونية يتم عن بعد فإن تنفيذها كذلك يمكن أن يتم عن بعد، دون انتقال الأطراف المادى والتقائهم في مكان معين، مثل عقود الخدمات المصرفية بين البنك والعميل البطاقات الائتمانية ، وعقود الاستشارات القانونية بين المحامى وموكله، وعقود الاستشارات الطبية بين المؤسسات الطبية. إلى جانب بعض الخدمات مثل إنزال البرامج، حيث يكون بأمكان العميل أن ينسخ البرامج المختلفة أو ينقلها من شبكة الإنترنت إلى حاسبه الخاص. وكل هذه العقود يتم تنفيذها عن بعد عبر شبكة للاتصالات عن بعد
فظهور التعاقد الالكتروني قد أوجد ثورة في مجال التجارة بصفة عامة، وكان له إسهاماته في تغيير مفهوم العولمة، فأصبحت الشركات العالمية الكبرى لا تحتاج إلى فروع لها في دول العالم لتسويق تجارتها، وبات التاجر – وحيثما كان موجودا – غير مقيد بالسوق المحلية، فأصبح العالم كله بمثابة سوق حر وذلك من خلال الإنترنت، وهذا يؤدى إلى إيجاد المنافسة القوية التي انعكست إيجابا على حركة الاقتصاد الوطني والعالمي ويؤدى ذلك إلى تحقيق العديد من المزايا الاقتصادية للمشروعات التجارية والعملاء على حد سواء
2- الطبيعة الخاصة للعقود الالكترونية
تثير طبيعة العقد الالكتروني اختلافاً بين الفقهاء، فيذهب جانب من الفقه أن العقد الالكترونى شأنه شأن العقد التقليدى ولا يختلف عنه سوى في الطريقة الإلكترونية التي ينعقد بها، وعلى ذلك يطلق عليه عقد التجارة الالكترونية وقد يكون الطابع التجارى غير ملتصق بالضرورة بالعقد الالكتروني، كعقود الدخول إلى الشبكة.
فقد يكون الهدف في بعض الأحيان من إبرام العقد الالكتروني هو التمكين من التعامل مع شبكة الإنترنت أو من خلالها، مثل عقد الدخول إلى شبكة الإنترنت أو عقد إنشاء مواقع على الشبكة، أو عقد البريد الالكتروني
3- العقود الالكترونية بين المفاوضة والإذعان
لا يخضع التعبير عن الإرادة لشكل معين، فللمتعاقد أن يفصح عن إرادته بالطريقة التي تروق له بشرط أن يكون لها مدلول يفهمه الطرف الآخر، فكما يجوز التعبير بالكتابة أو القول أو الإشارة، فيكون كذلك باتخاذ موقفا عمليا معينا يعبر عن إرادة التعاقد لدى الأطراف إذا كان هذا الموقف كافيا للدلالة على ذلك.
فهل يندرج العقد الالكترونى ضمن طائفة عقود المساومة أم عقود الإذعان
لقد ترتب على الطفرة التكنولوجية في وسائل الاتصال، السرعة الفائقة في إبرام العقود وانعدام المساواة بين أطراف العقد، وانتشرت العقود النموذجية تقترب من عقود الإذعان ، المعدة سلفاً والمصاغة صياغة فنية دقيقة وبشروط موحدة بالنسبة للكافة والتي تقترب من عقود الاذعان
وأهم ما يميز عقود الإذعان هو طريقة عرض العقد من قبل الموجب على الطرف الآخر، فلسان حاله “اقبله كما هو أو اتركه كما هو” ، ويعد هذا النوع من عقود الإذعان لأنها لا تندرج تحت ذلك الوصف إلا إذا تضمنت شروطاً معينة ما كان للطرف الآخر أن يرتضيها لو أعطى حرية المساومة، ومن ثم يمكن القول أن إرادة الموجب له معيبة فإذا تم التأكد من حصول الرضا وسلامته لا يمكن وصف تلك العقود بأنها من عقود الإذعان
وتتعلق عقود الإذعان غالباً بسلع وخدمات استهلاكية،
ويوجد فى مختلف البلدان تشريعات تنظم شروط العقود التي تنشأ بين تاجر ومستهلك، فهي تمنع الشروط المجحفة” التي تحد من الخيارات المتاحة للمستهلك في حال مخالفة التاجر لشروط العقد، مثل منعه من اللجوء إلى القضاء أو الحصول على التعويض ونحو ذلك،
وغالباً ما يقوم الموجب في العقد الالكتروني بتوجيه إيجابه للجمهور في صورة نموذج محرر عبر تقنيات الاتصال الحديثة، ويكون لمن وجه إليه الإيجاب أن يقبله كما هو دون إبداء ثمة مناقشات أو اعتراضات عليه، كما يجب أن يتعلق العقد بسلعة أو خدمة ضرورية وأن تقع تحت احتكار قانوني أو فعلى.
ويتمثل عقد الاستهلاك في توريد مال أو خدمة، إلا أن مقدم الخدمة أو السلعة يكون منتجاً أو مهنياً، والمتلقى هو المستهلك الذى يرغب في إشباع حاجاته الشخصية والعائلية، لذلك لا يوجد طائفة معينة تسمى مستهلكين حيث يمكن اعتبار جميع أفراد المجتمع مستهلكين ولو كانوا بدرجات متفاوتة .
ويصعب وضع قواعد خاصة بحماية المستهلك في هذا النوع من العقود وذلك لعدم تلاقى الطرفين على أرض الواقع إلا أن ذلك لا يعنى عدم وجود قواعد لتقنين هذا النوع من العقود
4- العقود الالكترونية الدولية
لقد تغير المفهوم التقليدى للتجارة الكلاسيكية وانعكس ذلك على الكثير من جوانب المعاملات بين الأفراد، فتغيرت مراكزهم القانونية وتطورت أسس المسئولية المدنية والجنائية.
وتوفر شبكة الإنترنت مجموعة من التقنيات الحديثة التي تسمح بتخطى الحدود الجغرافية بين الدول، فأصبحت المعلومات تنساب بحرية تامة عبر الحدود الدولية، ولم تعد العلاقات القانونية قاصرة على النطاق الوطني الداخلي، بل امتدت بصورة ملحوظة إلى إمكانية التعاقد بين مجموعة من الأشخاص المتباعدين جغرافياً، وبذلك اخترق العقد الالكتروني كافة الحدود
والعقد الالكتروني قد يكون داخلياً وذلك في حالة انعقاد العقد داخل إقليم الدولة وبين متعاقدين ينتمون لنفس الدولة، وقد يكون العقد دوليا وفقا لأحد المعيارين الآتيين:
أ – المعيار القانونى
ووفقا لذلك المعيار يكتسب العقد صفة الدولية إذا انتمى المتعاقدون إلى دول
مختلفة
ب – المعيار الاقتصادى
ووفقاً لذلك المعيار يكون للعقد الطابع الدولى إذا كان متعلقا بمصالح التجارة الالكترونية الدولية، وذلك بأن يترتب عليه تدفق السلع والمنتجات والخدمات عبر الحدود
وتمثل العقود الإلكترونية نسبة كبيرة من حجم التجارة الالكترونية التي تتميز بطابعها الدولي، وكنتيجة لهذه الطبيعة أصبحت تلك العقود تخضع لقوانين أشبه بالقوانين والإتفاقيات الدولية إلا أن هذه القوانين تنفذ بطرق الكترونية.
ويثير الطابع الدولى للعقد مجموعة من التحديات القانونية، ومن ذلك تحديد أهلية المتعاقدين، وكيفية التأكد من شخصية المتعاقد الآخر ومركزه المالي وتحديد المحكمة المختصة بنظر منازعات العقود الالكترونية وكذلك تحديد القانون الواجب التطبيق.
5- طرق الوفاء في العقود الالكترونية
تختلف طرق الدفع والسداد في العقود الالكترونية عن الطرق التقليدية فلقد أفرزت تقنية المعلومات وسائل حديثة لتقديم الخدمات المصرفية وإدارة العمل البنكي، والدفع على الخط وإدارة الحسابات عن بعد، وشيوع بطاقات الدفع والائتمان المالية، ويشيع الآن مفهوم المحفظة الالكترونية والبطاقة الماهرة التي تمهد الطريق نحو انتهاء مفهوم النقد الورقي والمعدني وتفتح الباب أمام مفهوم النقد الالكترونى أو الرقمي.
6- إثبات العقود الالكترونية
تتجلى خصوصية العقد الالكترونى عن غيره من العقود التقليدية في مجال إثبات ذلك العقد، حيث إن الدعامة الورقية هي التي تؤكد الوجود المادي للعقد التقليدي، وبذلك لا تعد الكتابة دليلاً كاملاً للإثبات إلا إذا كانت تلك الكتابة ممهورة بالتوقيع اليدوى لصاحبها.
ويتم إثبات العقد الالكتروني بالمستند الالكتروني الموقع الكترونياً وذلك عكس العقود التقليدية، ويُمثل ذلك المستند المرجع الرئيسي الذي يتبلور فيه حقوق أطرافه وتحديد التزاماتهما المتبادلة
المراجع
– انظر: د. / السيد محمد السيد عمران، حماية المستهلك أثناء تكوين العقد منشأة المعارف، الإسكندرية
– انظر د./ تامر محمد سليمان الدمياطى اثبات التعاقد الالكترونى عبر الانترنت
– انظر د./ خالد السيد محمد عبد المجيد موسى ، عقد العمل الالكترونى
– انظر د./ محمد على القري ، بحث بعنوان عقود الاذعان
اعداد المستشار القانونى / سعيد احمد
مكتب العلوى وشركاؤه محامون ومستشارون قانونيون
